لطالما لَعِبت العلاقة بين آسيا وأوروبا دوراً تكوينياً في تشكيل مفاهيم الهوية والدين والحضارة، لكنها حُبست لقرون داخل قوالب جاهزة وثنائيات حادة صاغها الاستشراق الكلاسيكي: "الشرق مقابل الغرب، التقليد مقابل الحداثة، والدين مقابل العلمانية".. هذه الأُطر الصارمة لم تحجب تعقيد اللقاءات التاريخية فحسب، بل غيّبت أيضاً واقع التعايش الإنساني المعاصر، ورسخت وهم "المركزية الغربية" كمعيار أوحد للتقدم.
في محاولة جادة لتفكيك هذه السردية، استضافت العاصمة البوسنية سراييفو المؤتمر الدولي "ما وراء الشرق والغرب.. إعادة تصوّر اللقاءات الأوراسية" (يومي 9 و10 يوليو/تموز 2026). ووفر الحدث، الذي نُظِم بدعم من "مبادرة الإسلام والمسلمين" القطرية بالتعاون مع جامعة سراييفو وجامعة حمد بن خليفة ومركز الدراسات المتقدمة ومركز مناظرات قطر، وفّر منصة فكرية استثنائية لفك ارتباط اللقاءات الحضارية بعقدة الاستعلاء.
واكبت "الجزيرة نت" جلسات المؤتمر، وحاورت نخبة من الأكاديميين والمستشرقين من قارات مختلفة، للوقوف على تحولات "الاستشراق الأوراسي"، ومحاولات صياغة هوية جديدة متحررة من هيمنة المركز.
في قراءته لتطور الاستشراق، يضع رئيس اللجنة العلمية للمؤتمر البروفيسور السوري/الروسي محمود الحمزة، يده على "خدعة أكاديمية"؛ فبعد أن أدرك المفكرون الغربيون الإرث السيئ لمصطلح "مستشرق" (الذي ارتبط بالاستعمار وتشويه الشرق)، تخلوا عن الكلمة واستبدلوا بها لقب "خبير في شؤون الشرق الأوسط"، لكنهم في الحقيقة استمروا في ممارسة الاستشراق ذاته وبالأدوات نفسها.
يؤكد الحمزة لـ"الجزيرة نت" أن الأبحاث الاستشراقية لا تزال تُوجَّه لخدمة المؤسسات الممولة. وتكمن الخطورة الكبرى في نجاح الاستعمار بغرس مفاهيمه بين النخب الشرقية ذاتها؛ فتجد مثقفين يُفترض أنهم يدافعون عن شعوبهم، يروّجون لمفاهيم غربية تتصادم مع أبسط الحقائق التاريخية والقيم الإنسانية لثقافاتهم العريقة.
وفي ظل "الثورة الرقمية" التي جعلت الشرق والغرب يتداخلان معلوماتياً، يدعو الحمزة لتجاوز مرحلة "نقد الاستشراق" والانتقال فوراً إلى "البناء المعرفي المستقل". ويرى أن "أوراسيا" ليست مجرد رقعة جغرافية، بل هي نموذج تاريخي للتعايش؛ حيث تتجاور مئات الانتماءات العرقية وتتفاعل الأديان (كالإسلام والمسيحية والبوذية واليهودية)، مستدلاً بالتفاعل الثقافي العميق بين الحضارة الروسية (الأرثوذكسية) والشعوب الإسلامية في آسيا الوسطى.
التعليقات (0)