أمد/ بعد إعلان هدنة مؤقتة بين إيران من جهة، والولايات المتحدة وإسرائيل من جهة أخرى، لمدة أسبوعين بوساطة باكستانية، بدا للوهلة الأولى أن المنطقة تتجه نحو احتواء جولة التصعيد الأخيرة، وفتح نافذة سياسية جديدة أمام التفاوض. غير أن التطورات اللاحقة أظهرت أن الهدنة لم تكن تسوية فعلية، بقدر ما كانت وقفًا هشًا لإدارة الاشتباك، ومنح الأطراف فرصة لإعادة التموضع السياسي والعسكري. فالجولة الأولى من المفاوضات التي أعقبت الهدنة لم تحقق اختراقًا ملموسًا، بل استمرت التوترات على المستويين الميداني والسياسي. فعسكريًا، صعّدت الولايات المتحدة من ضغوطها عبر فرض حصار بحري على الموانئ الإيرانية، في خطوة هدفت إلى تشديد الخناق الاقتصادي، ورفع كلفة التعطيل التفاوضي. وفي المقابل، ردت طهران بإغلاق مضيق هرمز، بعد فترة وجيزة من إعلانها إعادة فتحه أمام الملاحة، في رسالة واضحة مفادها أن أدوات الضغط الاستراتيجية لا تزال بيدها، وأن أي محاولة لخنقها اقتصاديًا ستقابل بتهديد مباشر لحركة التجارة والطاقة العالمية. أما على المستوى الإعلامي والسياسي، فقد عاد الرئيس الأمريكي إلى إدارة التفاوض بأسلوبه التقليدي، القائم على التصعيد اللفظي عبر منصات التواصل الاجتماعي، حيث أطلق سلسلة من التصريحات المتناقضة أحيانًا، جمعت بين التهديد المباشر والدعوة إلى الحوار. وخلال هذا الشهر وحده، لوّح أكثر من مرة بتدمير البنية التحتية الإيرانية، ومنشآت النفط والطاقة، قبل أن يتراجع لاحقًا أو يعيد صياغة مواقفه، بما يعكس استخدام الخطاب الإعلامي أداة تفاوضية للضغط، ورفع سقف المطالب. في المقابل، رفضت إيران إرسال وفدها إلى جولة تفاوض جديدة في باكستان، معتبرة أن أي تفاوض يجري تحت التهديد العسكري والحصار البحري يفتقد إلى الجدية والتكافؤ السياسي. ومع ذلك، أعلن الرئيس الأمريكي تمديد الهدنة، وطالب طهران بتقديم “رؤية واضحة وشاملة” للحل. لكن اللافت هذه المرة أنه لم يحدد سقفًا زمنيًا جديدًا للهدنة، تاركًا إياها مفتوحة، في مؤشر على رغبة أمريكية في إبقاء مسار الضغط والتفاوض قائمًا في آن واحد. إلا أن الموقف الإيراني جاء حذرًا وحاسمًا في الوقت نفسه، إذ اعتبرت طهران أن تمديد الهدنة من طرف واحد لا يحمل صفة الإلزام السياسي أو القانوني بالنسبة لها. وواصلت فرض سيطرتها على مضيق هرمز بالقوة العسكرية، بما يعكس تمسكها بمنطق الرد بالمثل، ورفضها الاعتراف بإدارة أمريكية منفردة لإيقاع الأزمة. إن هذا النمط من السلوك التفاوضي المتبادل يطرح جملة من الأسئلة الجوهرية: كيف يمكن قراءة هذه المفاوضات في ضوء نظريات العلاقات الدولية؟ كيف ينظر كل طرف إلى أدوات القوة والضغط التي يستخدمها؟ وهل نحن أمام مسار يؤدي إلى تسوية تدريجية، أم مجرد هدنة مفتوحة تسبق جولة تصعيد جديدة؟ والأهم من ذلك، ما هي المآلات الواقعية المتوقعة لهذا الاشتباك التفاوضي المركب؟
أولًا: كيف يمكن قراءة طبيعة هذه المفاوضات؟ المفاوضات الجارية لا تشبه المفاوضات التقليدية التي تبدأ بوقف إطلاق نار واضح، ثم تنتقل إلى طاولة سياسية مستقرة. ما يجري هنا هو تفاوض تحت الضغط المتبادل؛ أي إن أدوات القوة العسكرية والاقتصادية والإعلامية لم تتوقف، بل أصبحت جزءًا من عملية التفاوض نفسها. فالولايات المتحدة تستخدم الحصار البحري، والعقوبات، والتهديد العسكري، والضغط الإعلامي، من أجل دفع إيران إلى تقديم تنازلات أكبر. وفي المقابل، تستخدم إيران موقعها الجغرافي، وإغلاق مضيق هرمز، والقدرة على تهديد تدفقات الطاقة، ورفضها الخضوع للمهل الزمنية الأمريكية، بهدف تحسين موقعها التفاوضي، وإثبات أن الضغط لن يمر دون كلفة مقابلة، وأنها لا تخشى العودة إلى الحرب مجددًا. بمعنى آخر، نحن أمام مفاوضات بالقوة، لا مفاوضات بدلًا من القوة.
ثانيًا: تفسير سلوك الولايات المتحدة وفق نظريات العلاقات الدولية 1. الواقعية السياسية: فرض ميزان قوى جديد. وفق المدرسة الواقعية، تتحرك الدول انطلاقًا من المصالح والقوة، لا المبادئ. ومن هذا المنظور، تسعى الولايات المتحدة إلى منع إيران من تحويل مكاسبها العسكرية أو الجيوسياسية إلى نفوذ دائم. لذلك فإن أهداف واشنطن يمكن تلخيصها في الآتي: *.. تقليص قدرة إيران على استخدام الممرات البحرية كورقة ضغط. *.. منع إيران من توسيع نفوذها الإقليمي. *.. فرض اتفاق جديد بشروط أكثر صرامة، خاصة بعد حرب استمرت أربعين يومًا. *.. طمأنة الحلفاء الإقليميين، وإظهار استمرار الهيمنة الأمريكية. لهذا السبب تميل واشنطن إلى الجمع بين التهدئة الشكلية والتصعيد العملي. 2. الدبلوماسية القسرية السلوك الأمريكي ينسجم أيضًا مع مفهوم الدبلوماسية القسرية، أي استخدام التهديد بالقوة لإجبار الخصم على التفاوض وفق شروط محددة. فالرسائل الأمريكية المتكررة حول استهداف منشآت النفط والطاقة ليست بالضرورة مقدمة لحرب شاملة، بل قد تكون أداة لرفع كلفة الرفض الإيراني، وإجبار طهران على العودة إلى الطاولة. 3. سياسة المستوى المزدوج الإدارة الأمريكية لا تفاوض إيران فقط، بل تفاوض أيضًا الداخل الأمريكي: *. الكونغرس *. الرأي العام *. الحلفاء *. النخبة الأمنية لذلك يظهر أحيانًا تناقض بين لغة التهديد ولغة المرونة، لأن كل رسالة موجهة لجمهور مختلف. ثالثًا: تفسير السلوك الإيراني 1. الواقعية الدفاعية ومنطق البقاء ترى إيران أن الخطر الأساسي ليس الملف النووي وحده، بل محاولة تطويقها استراتيجيًا. لذلك تتصرف بمنطق الدولة التي تخوض صراعًا وجوديًا، تريد حماية نظامها السياسي، وردع خصومها من استباحة سيادتها. ولهذا ترفض: *.التفاوض تحت الحصار *. القبول بإملاءات زمنية *. تقديم تنازلات مجانية *. وتعتبر أن التراجع تحت الضغط سيؤدي إلى ضغوط أكبر لاحقًا، بمعنى أن التنازل في شروط التفاوض سيجر تنازلات أكبر على مضمون قضايا التفاوض. 2. الردع غير المتكافئ إيران تدرك الفارق العسكري التقليدي بينها وبين الولايات المتحدة، لذا تجند كل الأدوات التي تمتلكها، معتمدة على أدوات غير متماثلة: *.مضيق هرمز الذي يمر عبره نحو 20%” من النفط العالمي المتداول. *.الصواريخ والمسيرات. *. النفوذ الإقليمي. *. القدرة على الصمود وفي ذات الوقت استنزاف الخصم وهذا يفسر استمرارها في استخدام الورقة البحرية رغم الهدنة. 3. البنائية السياسية الهوية السياسية عنصر مهم أيضًا. فإيران تنظر إلى نفسها كدولة مستقلة ترفض الخضوع للإملاءات الخارجية. ولذلك فإن قبول التفاوض تحت التهديد يضر بصورة النظام داخليًا وخارجيًا. فمن منظور إيراني، يُنظر إلى هدف الحرب الأساسي على أنه مسعى لإضعاف النظام أو تغييره.
رابعًا: دور باكستان والوسطاء الوساطة الباكستانية ليست تفصيلًا ثانويًا، بل تعكس صعود دور القوى المتوسطة في إدارة الأزمات الإقليمية. فباكستان تمتلك قدرة على التواصل مع واشنطن وطهران معًا، وتسعى إلى تقديم نفسها كفاعل دبلوماسي مؤثر. كما أن نجاحها النسبي في فرض هدنة أولية يشير إلى أن الأطراف الكبرى تحتاج أحيانًا إلى وسيط يوفّر مخرجًا سياسيًا يحفظ ماء الوجه للجميع. لكن قدرة أي وسيط تبقى محدودة إذا لم تتوافر إرادة حقيقية لدى الطرفين الأساسيين.
خامسًا: ما الذي يريده كل طرف فعلًا؟
الولايات المتحدة تريد: وقف استخدام هرمز كورقة ضغط، والحفاظ على هيبة الولايات المتحدة الأمريكية وموقعها القيادي في النظام الدولي. اتفاقًا نوويًا أو أمنيًا جديدًا يزيل الخطر على إسرائيل. تقليص النفوذ الإيراني في المنطقة، في الوقت الذي تسعى فيه الإدارة الأمريكية إلى إعادة ترتيب شكل الشرق الأوسط. إظهار أن الضغط الأمريكي فعّال، وأن ذهاب ترامب إلى الحرب كان مجديًا في تليين المواقف الإيرانية. إيران تريد: رفع الحصار والعقوبات. الاعتراف بدورها الإقليمي. ضمانات بعدم استهدافها لاحقًا. تفاوض قائم على الندية لا الإملاء. إسرائيل تريد: إضعاف القدرات الإيرانية، وتدميرها بالكامل إن أمكن، الأمر الذي يتطلب إطالة العمل العسكري الأمريكي ضد إيران. منع أي تسوية تمنح طهران مكاسب استراتيجية، سواء في الملف النووي أو النفوذ الإقليمي (لبنان، العراق، اليمن، فلسطين). إبقاء الضغط العسكري قائمًا، وعدم إلغاء الخيار العسكري للولايات المتحدة الأمريكية في مواجهة إيران.
💬 التعليقات (0)