كنا على موعدٍ يوميّ ننتظره بفارغ الصبر بعد العصر، نسارع في مذاكرة دروسنا طمعاً برضا أمهاتنا وبوقتٍ إضافي أمام الشاشة. وما إن تحين لحظة اللقاء، حتى يغمر السلام قلوبنا، لنجلس باطمئنان أنا وإخوتي، وتشاركنا أمي ذات الشغف بـ "الكرتون" (الرسوم المتحركة).
بين "ميكي ماوس" و"النمر الوردي" و"توم وجيري" مروراً بـ "أليس في بلاد العجائب" و"بيل وسيباستيان" و"السيدة ملعقة" وصولاً إلى "نيلز" المحلق فوق أجنحة الطير، كانت أوقاتنا تشتعل حماساً وترقباً، وتتعالى ضحكاتنا على مقالب جهنمية ضمن صراعات خفيفة، هزلية، سريعة الإيقاع.
وتماهينا مع تلك الشخصيات، وكنت أحبّ "سندباد" وأفتقد "ياسمينا" بشدة إن غابت، بينما تفرقت ذائقة إخوتي: الأكبر انحاز لذكاء "النمر الوردي" والصغرى وجدت في "سالي" ملاذاً لرومانسيتها، أما الأصغر فأسره "الكابتن ماجد" حتى بات يردد يقيناً "سأصبح حارس مرمى يوماً ما".
وتطول اللائحة لتشمل أجواء "بحيرة البجع" الحالمة والمخيفة، والقرية الوادعة لـ "السنافر"، ووسامة "روبن هود" المقنّع. ولا ننسى "غريندايزر" بصوت جهاد الأطرش الفخم، وأغنية المقدمة التي صدح بها سامي كلارك فباتت وشماً في ذاكرتنا، حتى أننا بكينا يوم سقط "رعد" أرضاً. ولا تغيب عن البال بصمات صوتية ساحرة، كأداء جوزيف نانو العبقري لشخصية "شرشبيل" وعذوبة بيير داغر التي حولت لصاً كـ "علي بابا" إلى معشوق للفتيات.
وفي المقابل، لم أستسغ يوماً دهاء "نقار الخشب" وسرعته، بينما حملت تناقضاً جميلاً تجاه نقيضين: "سندريلا" بهدوئها، و"زيتونة" (زوجة باباي) بسخريتها وجمالها الخاص، والتي كبرتُ لأحترم اختلافها.
واليوم، ورغم مضي العمر، ما زلت أشاهد "توم وجيري" كلما زارتني ابنة أخي، وأضحك من قلبي. واكتشفت أن أصدقائي الأربعينيين يفعلون الشيء ذاته.. فهل هو حنين للضحك بعد أن هزم العمر الكثير فينا؟
التعليقات (0)