الكاتب: إبراهيم أبو عواد - كاتب من الأردن
ليس العبثُ فكرةً باردةً في كتاب فلسفي تنتظر قارئًا متخصصًا حتى يفككها، وليس مصطلحًا ثقيلًا يمكن اختزاله في القول إنَّ الإنسان يعيش في عالَم بلا معنى. العبثُ في جوهره تجربةٌ إنسانية قاسية، هو تلك اللحظة التي يستيقظ فيها الإنسانُ على نَفْسه، فينظر حَوله فلا يجد جوابًا يوازي حجمَ السؤال الذي يُسكنه. هو أن يشعر الإنسانُ بأنَّ حياته تمضي، والموت ينتظره، والعالَم لا يُقَدِّم له تفسيرًا نهائيًّا،ومعَ ذلك يُصِر على أن يعيش، ويبحث، ويُحِب، ويصنع من وجوده شيئًا يستحق أن يُعاش.
ومِن هُنا تأتي أهمية المقارنة بين الكاتب التونسي محمود المسعدي ( 1911_ 2004 ) والكاتب الفرنسي ألبير كامو ( 1913_ 1960 ). الرَّجلان التقيا، كُلٌّ بطريقته، عند واحدة مِن أعمق مناطق القلق الإنساني: ماذا يفعل الإنسانُ حين يُحَاصَر بين حاجته العارمة إلى المعنى وبين عالَمٍ لا يمنح المعنى جاهزًا؟، وكيف يمكن للحياة أن تستمر حين يصبح الموتُ حاضرًا في كُلِّ لحظة، وحين تبدو الأفعالُ البشرية كُلُّها مُهدَّدة بالسقوط في الفراغ؟.
التشابهُ بين المسعدي وكامو لا يعني التطابقَ. قيمةُ المقارنة الحقيقية في الاختلاف بينهما. يفتح المسعدي الأسئلةَ على آفاق جديدة، تتداخل فيها الإرادةُ والروح والمصير والبحث عن الحقيقة،بينما يضع كامو الإنسانَ أمام صمت العالَم، ويبحث عن إمكانية العيش رغم هذا الصمت.
عند المسعدي، لا يكتفي الإنسانُ بأن يكتشف عبثَ وجوده، بلْ يدخل في مواجهة شاقة معَ نَفْسه والقوى التي تتجاوز ذاته، كأنَّه يريد أن يعرف إلى أيِّ مدى يستطيع الإنسانُ أن يكون إنسانًا.
أمَّا عند كامو فيبدو العبثُ وليد الصدام بين الإنسانِ والعالَم، وهو يَعتبر الإنسانَ ليس مُجرَّد كائن يعيش ثم يموت، إنَّه كائن يعرف أنَّه يعيش وسيموت، وهذه المعرفة هي التي تمنح وجودَه ثقله المأساوي. فالحيوانُ لا يَحمل، بالمعنى نَفْسِه، سؤالَ المصير، أمَّا الإنسان فيستيقظ ذات يوم على حقيقة أنَّه محدود، وأنَّ كُلَّ ما يفعله محكومٌ بحدود الزمن.
التعليقات (0)