غزة ليست بخير ولا أهلها بخير وقد لا يكونوا بخير إن بقيت الفصائل في غزة تبحث عن ذاتها بين ركام آلاف البيوت المدمرة وبين زوايا الشوارع التي تغيرت معالمها ولم تعد كما عهدها المارة ولن يتحسن وضع الناس في غزة طالما هناك بعض الفصائل تعتبر أن الصبر هو ما تبقى لها وهو الرهان الاول والاخير, رهان على صبر الناس الذين يسكنون الخيام والبيوت المدمرة الآيلة للسقوط وأطفالهم الذين ينامون ويأكلون ويلعبون ويتعلمون في خيمة لا تتعدي مساحتها عشرة أمتار مربعة تغزوها القوارض في الليل والنهار وتنتشر أشكال مخيفة من الحشرات تأكل من جلود الأطفال. خيام هي كل ما تبقى للغزيين بفعل هذه الحرب اللعينة، كل يوم ينامون ويصبحون على مزيد من الاحباط وفقدان الأمل أن تعود حياتهم كما السابق أو على الأقل يعيشوا حياة شبه طبيعية.
كل يوم تتضاعف معاناتهم بسبب الحرب، وكل يوم يمر من حياتهم يمر بصعوبة بسبب انغلاق الافق التفاوضي نحو انفراجة حقيقية تفضي ببدء تغير المشهد الذي بات يراوح مكانه منذ أكثر من عامين ونيف ويحقق سلاما حقيقيا يعيد للمواطن الغزي كرامته التي هدرت وحقوقه التي سلبت سواء كانت حقوقا معنوية أو مادية أو سياسية في وقت مازال يرسل اطفاله الي التكايا مرة والي ابواب الجمعيات مرة أخرى والتي لم تكن يوما عند حسن ظن المواطن الفلسطيني الا من رحم ربي. وقد يكون نادرا اليوم في غزة ان تجد جمعية أو كما يسمون أنفسهم مبادرين يعملون حسب برنامج يهدف لانتشال الناس من معاناة يومية التى تتعقد يوما بعد آخر بألا منفعة خاصة، أما الفصائل فكل يعطي اتباعه فقط والبقية الباقية ليسوا ضحايا حرب ولم تهدم بيوتهم ويستشهد ابنائهم ..! كثير من الناس يعتبرون أن انغلاق الأفق وانعدام السبل أمام انفراجة حقيقية سببه الفصائل التي فشلت في إدارة المفاوضات حتى الآن بما يحقق اتفاقا نهائيا وحقيقيا ينهي حالة الحرب التي مازالت تدور رحاها لكن بوتيرة منخفضة. القاهرة والوسطاء لم يتوقفوا عن تقديم مقترحات تقاربية تجسر الفجوات حتى ينزعوا من يد إسرائيل اي ذريعة للهجوم من جديد على غزة وتدمير ما لم يدمر ويجتاحوا المناطق الوسطي وما تبقي من مدينة غزة لهدمها كما فعلوا في خانيونس ورفح . هنا في غزة لم يتوقف الموت ولا القتل ولا الجوع ولا فقدان الأمل وكل ذلك مرهون بالتوصل لاتفاق والاتفاق مرهون بموضوع سلاح الفصائل وسلاح الفصائل قد يربط بتفكيك سلاح المليشيات أو يكون شرطا المكتسبات فصائلية بحتة. إن المشهد الحالي في غزة وتمكن الاحتلال من السيطرة على أكثر من ٦٠٪ من قطاع غزة ونجاحه في رسم خط يمنع بموجبه عودة أكثر من مليون مواطن لأرضهم وبيوتهم وعقاراتهم ومصانعهم ومتاجرهم المدمرة أو حتى ركام بيوتهم لانها قد تكون افضل من العيش في مخيمات النزوح. إنه مشهد كارثي في ظل انعدام اي أمل بأن تنفذ خطط التعافي المبكر والبدء في إعداد خطط إعادة إعمار القطاع مع الشركاء العرب والاقليميين، وأخشي ان يصبح هذا الإعمار إن طالت المفاوضات مقابل اثمان كبيرة تدفع للاحتلال من ثوابتنا الفلسطينية، إن عملية المفاوضات التي تخوضها ومازالت تخوضها حماس وبعض الفصائل التي تدور في فلكها لم تحقق للغزيين اي شيء حتى الآن ولم تقربهم خطوة واحدة أو حتى نصف خطوة من العودة للحياة الطبيعية، بل يخشى من عودة الحرب من جديد تحت ذريعة نزع سلاح حماس .
لو أجرينا عملية تقييم بسيطة لوجدنا أن هذه المفاوضات لم تجر منذ البداية على اساس وطني بل فصائلي، والملاحظ أن هذه الفصائل تغرق في هذه المفاوضات جولة بعد أخرى، وكلما دخلت مسارا تفاوضيا جديدا حول قضية ما نجد أن هناك تراجعا واضحا عن مطالب كثيرة كانت تلك الفصائل تصر على تحقيقها في البداية، في إشارة واضحة لتمكن الطرف الإسرائيلي من تجزئة معظم القضايا الاساسية. أن المفاوضات الان تركز على استكمال تطبيق المرحلة الأولى والبدء بتطبيق المرحلة الثانية من اتفاق إنهاء الحرب على غزة والتي تتراوح مكانها منذ أكثر من ستة شهور. اليوم أصبحت مسألة سلاح الفصائل قضية أساسية الذي تعتبره إسرائيل ومجلس السلام قضية شائكة يجب أن تنتهي لان إسرائيل تربط الانسحاب من الخط الاصفر بقضية تسليم الفصائل في غزة سلاحها وقد يكون أيضا شرط من شروط إعادة الإعمار.
الحقيقة أن الفصائل بجهلها التفاوضي ورطت نفسها في مفاوضات بلا أفق على قضايا تم بحثها قبل ذلك في وقت تزاد فيه معاناة الفلسطينيين. والان تشترط تطبيق ما تبقي من بنود في المرحلة الأولي قبل بحث مسألة تسليم السلاح فيما يبدوا أن الوسطاء لم يستطيعوا بعد إقناع الفصائل الفلسطينية بالتفاوض لإنهاء مسألة سلاح الفصائل ولعل مسألة السلاح كانت قد بحثت قبل اتفاق صفقة ترامب إلا أن الفصائل تعتقد أنها ورقة قوية يمكن أن تقايض فيها على كل شيئ . لا يبدو أن الفصائل بات لديها أي قوة تفاوضية ورهاناتها على عدم تسليم السلاح رهان خاسر لان إسرائيل لا تريد أن تنتهي هذه القضية ليبقي الوضع على ما هو علىه وتبقي تسيطر على اكثر من نصف القطاع مع حرب مفتوحة لا تغلق على المدي القصير .
الواضح ان إسرائيل هي التي تدير المشهد برمته وتسيطر على القطاع وتمنع الناس من العودة لبيوتهم وتضع تحديات كبيرة أمام أي خطوات يمكن أن ينفذها المجلس التنفيذي لمجلس السلام بهدف تخفيف المعاناة عن المواطنين الفلسطينيين في القطاع. اليوم على الفصائل تغليب المصلحة الوطنية على الفصائلية قبل أن تدخل في مأزق حقيقي يرفع مستوي النزف الوطني والشعبي في غزة ويزيد المشهد تعقيدا كلما مر الوقت وأصبح عامل ضاغط، اذا فكرت الفصائل بالخروج من المأزق التفاوضي المحتمل فعليها أن تعود للحضن الوطني قبل فوات الاوان، لان ذلك قد يصبح خارج الزمن المتاح.
المسألة الأبرز الآن هي الشعب في غزة ولأجل ذلك اذا أدركت هذه الفصائل أن المخرج هو العودة للحضن الوطني فليكن، وبالتالي توضع الحلول على أساس وطني وتقدم للوسطاء وعندها يدرك مجلس السلام أن (م ت ف) هي من تفاوض بتمثيل الشعب كله وليس فصيل أو مجموعه الفصائل في غزة، فأعتقد أن عوامل الضغط ستتغير وتزداد الطروحات إيجابية وفي ذات الوقت تدرك إسرائيل أن الفلسطينيين يفاوضون من خلال مبادئ واحدة واستراتيجية واحدة وتمثيل واحد هدفه المواطن والوطن أولا.
💬 التعليقات (0)