اضطرت واشنطن إلى إلغاء رحلة نائب الرئيس الأميركي جي دي فانس، التي كان ينوي القيام بها يوم الثلاثاء الماضي، إلى إسلام آباد لقيادة مفاوضات بلاده مع إيران في العاصمة الباكستانية، فيما كان يعد الجولة الثانية من المفاوضات، بعد الوقف المؤقت للحرب بين الجانبين، وذلك في اليوم الأخير من مهلة الأسبوعين، التي كان الطرفان قد وافقا عليها، بعد أربعين يوماً من القتال العنيف، وذلك بسبب امتناع إيران عن إرسال وفدها التفاوضي، إلى العاصمة الباكستانية، وهذا يعد في العرف الدبلوماسي صفعة، خاصة أن الحديث عن أميركا الطرف المقابل لإيران في المفاوضات، وعلى نحو أخص، عن أميركا في ظل إدارة «المتبجح» العالمي دونالد ترامب، المتنمر على كل دول العالم.
انتهاء المهلة دون لقاء الوفدين، ودون إعلان عن تمديدها مرة ثانية حتى تلك اللحظة، يعني بكل بساطة، أن التهديد الأميركي بالحرب، لم يعد يخيف ولا يردع ولا حتى يؤثر على الجانب الإيراني، بعد أن جرّبت الحرب لمدة أربعين يوماً، لم تصمد خلالها وحسب، بل قارعت أميركا وإسرائيل معاً، وفق حرب عدم التناظر العسكرية، ولم تفشل خططهما، ولم تمنعهما من تحقيق أهدافهما، التي كانتا تسعيان إليها عبر حرب خاطفة وحسب، بل استنفدت مخزونهما من العتاد والصواريخ الخاصة بالحرب عبر الجو.
صحيح أنهما لم تخسرا شيئاً - تقريباً، من الطائرات الحربية، لكنهما استنفدتا القنابل والمقذوفات، والأهم الصواريخ الاعتراضية المضادة للصواريخ الإيرانية، ولأن الحرب لا تحسم بالجو فقط، فقد كان يجب على أميركا، أن تنتقل من أجل تحقيق النصر، بتحقيق الأهداف، إلى الحرب البرية، أو على الأقل إلى عمليات برية محدودة، لكنها عجزت عن ذلك.
والحقيقة أن إيران بعقيدة قتالية تتناسب مع طبيعة الحروب ما بعد الحرب الباردة، خاضت حربها الأهم عبر تاريخها، بينما أميركا وإسرائيل خاضتا حرباً تقليدية، لذلك فإن الفشل بالنسبة لهما هزيمة، فيما الصمود لإيران انتصار، وقد أدارت إيران الحرب وفق وتيرة مناسبة، بحيث أنها ظلت قادرة على إطلاق الصواريخ والمسيرات، إلى لحظة اقتراب نفاد مخزونات الخصم من الصواريخ الاعتراضية.
وهذا ظهر في الأيام الأخيرة للحرب، حين بدأت الصواريخ الإيرانية، وصواريخ حزب الله تصل العمق الإسرائيلي، وتخترق نحو خمس منظومات دفاع جوي، كما أنها استخدمت أوراقاً ضاغطة على العدو منذ اليوم الأول، ولم تكتفِ بمهمة الصمود، وتلقي الضربات، أمام عدو بلا قلب، وبلا أدنى التزام حتى بقوانين الحرب.
من أدوات الضغط كان استهداف القواعد العسكرية الأميركية في الخليج، وكانت أميركا تظن أن إيران ستتجنب ذلك حتى لا تدخل في حالة عداء مع جيرانها، ولم يقتصر الأمر على هذا، بل حين استهدفت أميركا وإسرائيل المراكز المدنية الإيرانية، ومؤسساتها الاقتصادية، ردت إيران باستهداف شركات ومؤسسات اقتصادية عالمية في الخليج، ثم كان استخدام ورقة الضغط الأهم، والتي لم تكن مطروحة أصلاً قبل الحرب على طاولة التفاوض، ولا على طاولة الصراع، وهي ورقة مضيق هرمز، الذي يعتبر شريان التجارة العالمية، خاصة تجارة النفط والطاقة.
💬 التعليقات (0)