في قيظ الصيف الحارق، وتحت وطأة الحرب الممتدة، يخوض قطاع غزة فصلاً جديداً من فصول الإبادة الصامتة. لم تعد الأزمة تقتصر على تساقط الحمم من السماء، بل تعدتها إلى تجفيف شرايين الحياة تحت الأرض؛ فما يشهده القطاع اليوم ليس مجرد شح طارئ في الموارد، بل هو "هندسة ممنهجة للعطش"، تستهدف سحق مقومات البقاء البشري وتحويل الحق في الماء—وهو أبسط حقوق الإنسان—إلى سلعة نادرة وأمنية بعيدة المنال.
تُظهِر المعطيات الميدانية حجم الدمار الشامل الذي لحق بقطاع المياه؛ إذ استهدف الاحتلال الإسرائيلي بشكل مباشر وممنهج البنية التحتية المائية، مما أسفر عن تدمير 72 بئراً حيوية، و150 ألف متر طولي من شبكات نقل المياه، إضافة إلى إخراج 4 خزانات رئيسة من الخدمة. أدى هذا التدمير العمدي إلى تعطيل 85% من الآبار المركزية، ليصاب الشريان المائي للقطاع بشلل شبه كامل.
وانعكس هذا الانهيار الهيكلي بشكل دراماتيكي على الطاقة الإنتاجية؛ حيث هبط الإنتاج اليومي للمياه من 100 ألف متر مكعب قبل الأزمة إلى أقل من 30 ألف متر مكعب فقط، متسبباً في عجز مائي يتجاوز 70%. ونتيجة لذلك، تراجع نصيب الفرد اليومي من المياه إلى ما بين 10 و20 لتراً فقط—وهي كمية تتضمن الاستخدام للشرب والنظافة والطهي—وهو رقم يبتعد بشكل مرعب عن حد الكفاف الأدنى الذي تقره منظمة الصحة العالمية والمحدد بـ (80-100 لتر) يومياً للظروف العادية والطوارئ.
لا يتوقف الأثر عند حدود النقص المادي للمياه، بل امتد ليتسبب في انهيار اقتصادي واجتماعي حاد؛ إذ ارتفعت أسعار المياه في الأسواق والمحطات المتنقلة بنسبة تجاوزت 500%، وهو ما أخرجها عن قدرة الحصول عليها من قبل الغالبية الساحقة من العائلات المنهكة ماديًا في ظل فقدان فرص العمل.
اليوم، حُرِم أكثر من 95% من سكان قطاع غزة من الحصول على مياه شرب آمنة وصالحة للاستخدام البشري. كما أن هذا التلوث القسري والانعدام الحاد للتعقيم ينذر بكارثة صحية وبيئية وشيكة؛ حيث تتفشى الأمراض المعوية والجلدية والأوبئة الفتاكة في مخيمات النازحين ومراكز الإيواء المكتظة، وسط غياب شبه تام للحلول الطبية والأدوية اللازمة للحد منها.
تقف الصورة الأكثر إيلاماً في هذه الفاجعة عند أطفال غزة؛ فبعد تدمير الاحتلال للبنية التحتية والخزانات المنزلية التي كانت تعلو أسطح البيوت قبل هدمها، باتت رحلة الحصول على الماء مكابدة يومية شاقة تقع مسؤوليتها على أنامل الصغار.
التعليقات (0)