لم تعد المسألة، في نظر الباحثة فاطمة الصمادي، مجرد تغير في علاقة الولايات المتحدة بدول الشرق الأوسط، أو إعادة انتشار للقوات الأمريكية في المنطقة، وإنما باتت تتصل بتحول أعمق يمس النظام الأمني الإقليمي نفسه، والقواعد التي حكمته طوال عقود. ففي دراستها "ما بين لينش ومحسن رضائي: اللحظة التاريخية لانتهاء احتكار واشنطن لوضع قواعد الأمن الإقليمي"، المنشورة عن مركز الجزيرة للدراسات، تنطلق الصمادي من تصريحات الأمين العام لمجلس الأمن القومي الإيراني محسن رضائي، وتضعها في مواجهة أطروحة عالم السياسة مارك لينش بشأن نهاية "الشرق الأوسط الأمريكي"، لتبحث عما تعنيه الحرب الأخيرة بالنسبة إلى موقع واشنطن من جهة، والمكان الذي تسعى إيران إلى احتلاله في النظام الإقليمي المقبل من جهة أخرى.
ولا تقرأ الباحثة تصريحات رضائي باعتبارها مواقف منفصلة بشأن ميثاق مكة أو البرنامج النووي أو العلاقة مع الولايات المتحدة، وإنما بوصفها أجزاء من رؤية إيرانية متكاملة لمرحلة ما بعد الحرب. ويربط رضائي، في هذه الرؤية، بين تراجع المظلة الأمريكية، وظهور ترتيبات أمنية إقليمية جديدة، وتآكل الثقة بنظام عدم الانتشار النووي، والحاجة إلى تعديل السلوك الدبلوماسي الإيراني. ويلخص هذا التحول بقوله إن إيران "اليوم لن تكون إيران ما قبل الحرب".
وتجد الصمادي الإطار الأوسع لفهم هذه الرؤية في أطروحة مارك لينش المنشورة في "فورين أفيرز" عن نهاية "الشرق الأوسط الأمريكي". فالحرب الأمريكية/الإسرائيلية على إيران، وفق لينش، لم تُنه الوجود الأمريكي في المنطقة، لكنها أنهت صلاحية النظام الإقليمي الذي قادته واشنطن منذ عام 1991. فالولايات المتحدة لم تتمكن من إسقاط النظام الإيراني، ولم تستطع حماية حلفائها حماية كاملة، كما عجزت عن إبقاء مضيق هرمز مفتوحًا. وبهذا تعرضت الصفقة الأمنية التي قامت عليها الهيمنة الأمريكية، والمتمثلة في حماية الحلفاء واحتواء إيران وتأمين الملاحة، لضربة أصابت صدقيتها.
وهنا تقيم الباحثة الصلة الأساسية بين الرجلين: لينش يصف البنية الإقليمية التي تتفكك، ورضائي يتحدث عن الموقع الذي تريده إيران داخل البنية التي ستخلفها. ومن ثم تصبح تصريحات المسؤول الإيراني محاولة لترجمة ما أفرزته الحرب عسكريًا إلى قواعد سياسية تحكم النظام الإقليمي المقبل.
تتوقف الدراسة طويلًا أمام موقف رضائي من ميثاق مكة، وترى أن أهميته لا تكمن فقط في قوله إن طهران لا تعرف مضمون الاتفاق الذي وقعته السعودية وتركيا وباكستان، وإنما في رفضه أن يقتصر دور إيران على المصادقة على ترتيب أمني صاغته دول أخرى.
ويربط رضائي قيام الميثاق بإبلاغ الولايات المتحدة حلفاءها بأنها تتجه إلى تقليص وجودها، وهو ما دفع الدول الثلاث، وفق قراءته، إلى محاولة ملء الفراغ الناشئ. لكنه لا يرد على ذلك برفض مبدأ الأمن الإقليمي أو الدفاع الجماعي؛ بل يقترح انضمام إيران ومصر إلى الميثاق بصفتهما دولتين مؤسستين.
التعليقات (0)