إن تفكيك الظاهرة العمرانية والاجتماعية المستحدثة في قطاع غزة عقب عمليات التهجير القسري والنزوح الجماعي الشامل نحو المناطق الغربية والجنوبية لشارع صلاح الدين، وانحصارها بين شمال غزة إلى جنوب خان يونس، يتطلب التركيز على نمط الحياة في "الخيمة" بوصفها بؤرةً للتحليل السوسيولوجي والنفسي، إذ تعكس البيانات الميدانية والتقديرات الأممية تجاوز أعداد النازحين حاجز 1.9 مليون إنسان (ما يقارب 85% من إجمالي سكان القطاع)، يعيش الغالبية العظمى منهم في تجمعات عشوائية ومخيمات مستحدثة، وبذلك لم تعد الخيمة مجرد هيكل قماشي طارئ لإيواء الجسد الفارّ من القصف، بل تحولت إلى بنية اجتماعية وثقافية ونفسية مكثفة تعيد تشكيل مفاهيم "البيت"، و"الخصوصية"، و"الأدوار الأسرية"، و"طقوس البقاء اليومية"؛ وسنسلط الضوء على الديناميكيات المزدوجة (التضامنية والاستنزافية) التي أفرزتها بيئة الخيام، وتداعياتها المباشرة على التماسك الاجتماعي والصمود النفسي للفرد والجماعة في أعتى أزمة إنسانية يشهدها العصر الحديث. لقد شكلت الحرب والنزوح القسري في قطاع غزة انقطاعاً بنيوياً حاداً في النسيج العمراني والاجتماعي؛ مع تدمير الأحياء السكنية الكاملة، وانحصار الشقق المتاحة، وارتفاع أسعار الإيجارات إلى مستويات تعجيزية غير عادلة ولا إنسانية، ووجد مئات الآلاف من المواطنين أنفسهم أمام خيار إجباري لا بديل عنه، وهو مغادرة الجدار الخرساني واللجوء إلى الخيمة، ولم يكن هذا الانتقال مجرد تغيير شكلي في نمط السكن، بل كان زلزالاً سوسيولوجياً أدى إلى تفكيك "العمارة الحضرية" التي كانت تضمن الحدود المادية للطبقية والخصوصية، واستبدالها بـخيمة الهشاشة القائمة على التزاحم الشديد، والشفافية الصوتية والبصرية الكاملة، ومن هنا تنشأ الحاجة لبناء مقاربة منهجية تحت اسم "سوسيولوجيا الخيمة" لفهم كيفية تكيف الإنسان الغزي مع هذا الفضاء الوليد وإعادة إنتاجه للمعنى وسط الركام.
تتجلى أولى مظاهر هذا التحول في إعادة تعريف مفاهيم الخصوصية والمكان؛ ففي علم الاجتماع الحضري، يُعتبر الجدار الخرساني الضامن الأول لبناء الخصوصية الفردية وتأسيس الذات العائلية، ولكن في بيئة المخيمات المستحدثة، ينهار هذا الحد الفاصل لإنتاج واقع مكاني مكشوف؛ حيث حلّ قماش الخيمة وشادر "النايلون" محل الجدار الصلب، مما جعل الصوت العابر بين الخيام المتلاصقة الموجه الأساسي للسلوك الداخلي، وأدى ذلك إلى ظهور سلوكيات تكيّفية مثل "الهمس الإجباري"، وتخفيف الحركة، والحد من النقاشات الأسرية تفادياً لإحراج الذات أمام الجيران؛ غير أن الملاحظة الميدانية أثبتت هشاشة هذا التكيف وسرعة انهياره أمام الضغوط؛ إذ تؤدي تراكمات الصدمات، وفقدان الأحبة، والإنهاك العصبي المتواصل تحت أزيز الطائرات، إلى انفجار نوبات الغضب والانفعال المتبادل، مما يكشف هشاشة ضوابط التكيف المقننة ويحول الحيز الضيق إلى ساحة لتفريغ الكبت، وينتج عن ذلك علنية قسرية للخاص؛ حيث تحولت التفاصيل الأكثر حميمية (كأنين المرضى، والعلاقات الزوجية، والخلافات الأسرية، وبكاء الأطفال ليلاً ، ونوعية الطعام الشحيح المتاح...الخ) إلى أحداث معروفة ومكشوفة في محيط الخيام، ما رفع مستويات الانكشاف النفسي والشعور بالتعري الاجتماعي لدى الأفراد.
وينسحب هذا الانهيار في حدود المكان مباشرة على إعادة هيكلة الأدوار والعلاقات داخل الأسرة الغزية؛ إذ فرض الاكتظاظ والمساحة الضيقة إعادة توزيع جذرية للمهام والمكانات الاجتماعية، فقد تراجع الدور التقليدي للأب القائم على العمل المأجور والإعالة المالية المستقرة، ليحل محله نمط إدارة السعي الميداني للبقاء؛ حيث ينحصر جهده اليومي في الوقوف بطوابير المياه المضنية، والبحث عن الحطب أو البلاستيك، وتدبير الطحين والمساعدات، وحماية هيكل الخيمة من السقوط أو الغرق.
وفي المقابل، تتضاعف هذه المشقة لدى النساء والفتيات لتأخذ أبعاداً مركبة من المعاناة الإنسانية والجسدية؛ حيث أصبحت الأمومة ورعاية الأسرة تجربة يومية من الاستنزاف البدني في ظل انعدام مقومات النظافة الشخصية والمساحات الآمنة، فاستُبدلت الغسالة بالحيّز اليدوي (الطشت واللجن) والغسيل المرهق بالمياه المالحة، وجلي الأواني بالرمال، والطهي المباشر على النيران والدخان الخانق الذي يضر بالرئتين والعيون، ويضاف إلى ذلك العبء النفسي الثقيل الناجم عن افتقار الفتيات والنساء لأدنى مستويات الخصوصية أثناء العناية بالذات أو في فترات الطمث، والمخاطر الصحية المضاعفة للحوامل والمرضعات وسط غياب الرعاية الطبية وشح المياه، مع مسؤولية مضاعفة لحماية الأطفال من الحشرات والقوارض والحرارة القاتلة.
ورغم هذه المشقة، فرضت الخيمة نمطاً معيشياً صلب التضامن؛ فنوم الأسرة بالكامل متلاصقين في حيز لا يتعدى بضعة أمتار، والاستيقاظ الجماعي القسري مع بزوغ الشمس أو اشتداد حرارة النايلون، يفرضان حالة من التلاحم الفسيولوجي والنفسي يعوض جزئياً غياب أدوات التربية التقليدية ويمنح الأطفال شعوراً بدائياً بالأمان المتبادل وسط الخطر المحدق.
وأمام هذا الانسداد الشامل للآفاق وفقدان القدرة على التخطيط للمستقبل البعيد، تلجأ الجماعة النازحة إلى صناعة المعنى من الفراغ عبر طقوس يومية صارمة تعمل كدفاع نفسي ضد الانهيار، فليس اجتماع الأسرة صباحاً حول براد الشاي المغلي على جمر الحطب وصحن الإفطار المكون مما يجود به الظرف مجرد عملية تغذية، بل هو طقس وجودي إثباتي؛ إذ يُمثّل تبادل الحديث في هذه اللحظات حول تفاصيل الحرب وكيفية تدبير اليوم إعلاناً شفوياً شعاره نحن ما زلنا أحياء، نملك ذواتنا، ونمارس حياتنا، كما إن انفضاض هذا الاجتماع الصباحي لتتجه الأم لترتيب المنامات والطهي، والأب لتعبئة جالونات المياه والتشاور مع الجيران، يعيد فرض نوع من النظام المفتعل على واقع يتسم بالسيولة واللايقين الشامل، مما يمنع الفرد من الوقوع في شلل العجز النفسي والاستسلام للصدمة.
التعليقات (0)