الإثنين 24 أغسطس 2026 10:29 صباحًا - بتوقيت القدس
قبل عامين، كتبتُ، إلى جانب زميلتيّ زينب حنّاوي وإليزابيث بيرغر، عن شيء يبدو في غاية البساطة: الطائرة الورقية.نُشرت ورقتنا البحثية، «التشافي عبر السماء: التعامل مع الفقد من خلال نشاط علاجي جماعي للأطفال في فلسطين»، في المجلة الدولية للدراسات التطبيقية في التحليل النفسي. تناولنا فيها صناعة الطائرات الورقية وإطلاقها بوصفهما نشاطًا علاجيًا يساعد الأطفال الذين يعيشون الفقد والحرب على التعبير عن حزنهم والتعامل معه.ففي سماء تملؤها الطائرات الحربية والصواريخ ووسائل المراقبة، يمكن لصناعة شيء يرتفع إلى السماء أن تمنح الطفل، ولو لوقت قصير، شيئًا من اللعب والخيال والشعور بالقدرة على الفعل.يصنع الطفل طائرته الورقية، يكتب عليها ما يريد، ثم يراقبها وهي ترتفع. وفي تلك اللحظة، لا تعود السماء مجرد المكان الذي يأتي منه الخطر؛ تصبح أيضًا مساحة للخيال، وللعب، ولإمكانية أن يرسل الطفل شيئًا من داخله إلى الأعلى.ومنذ ذلك الحين، جرى استخدام هذا النشاط العلاجي مع أطفال نازحين في لبنان والبرازيل وأستراليا وإيطاليا. كما أعددنا، بالتعاون مع مؤسسة تامر، دليلًا باللغة العربية حول النشاط، ودربنا عددًا كبيرًا من المختصين الفلسطينيين وغيرهم عليه. وهكذا انتقلت الفكرة من صفحات البحث إلى الممارسة، ومن تجربة محدودة إلى أداة علاجية يمكن استخدامها مع الأطفال الذين يعيشون الفقد والعنف والنزوح.اليوم، تصدر الحكومة الإسرائيلية أمرًا للجيش بالتعامل مع الطائرات الورقية التي تُطلق من غزة باعتبارها عملًا حربيًا.هكذا يُعاد تعريف أداة علاجية صُممت لمساعدة الأطفال على التعامل مع حزنهم بوصفها تهديدًا عسكريًا. حتى الطائرة الورقية، التي صنعها طفل بيديه، يمكن أن تصبح موضع اشتباه.هذه ليست مجرد مفارقة مؤلمة. إنها صورة مكثفة لعسكرة الحياة اليومية في فلسطين؛ حيث لا يبقى اللعب خارج منطق الأمن، ولا يُترك للطفل حتى مجال صغير يحلم فيه أو يعبّر فيه عن حزنه دون أن يُنظر إليه من خلال عدسة التجريم.في الثقافة الفلسطينية، كما في الذاكرة الدينية التي تشكل جزءًا من وجداننا، يحمل الارتقاء إلى السماء معنى عميقًا؛ من صعود المسيح إلى السماء إلى معراج النبي محمد ﷺ. فالارتقاء ليس مجرد حركة إلى الأعلى، بل يمكن أن يكون فعلًا من أفعال التخيّل الذي يتسامى عن الألم، ومحاولة لتجاوز الحدود التي تُفرض على الإنسان.ولهذا، قد تكون الطائرة الورقية بالنسبة إلى الطفل الفلسطيني أكثر من لعبة. إنها صورة بسيطة لإمكانية الارتفاع فوق ما فُرض عليه من حدود، ولو للحظات؛ أن ينظر إلى السماء لا بوصفها مصدرًا للخوف، بل بوصفها مجالًا للخيال والحياة.وحين تصبح حتى الطائرة الورقية جريمة، فإن ما يُجرَّم ليس الشيء الطائر في السماء فحسب، بل أيضًا حق الطفل في أن يلعب، وأن يحزن، وأن يتخيل، وأن يرفع عينيه إلى السماء دون خوف.
عندما يصبح إطلاق الطائرة الورقية جريمة للفلسطينيين
د. عماد علي السعدي: دكتوراة في الاقتصاد والتمويل الإسلامي
حازم عبد العزيز النتشة: مدير عام كهرباء الخليل
اللواء أحمد عيسى باحث متخصص في دراسات الأمن ىالقومي الفلسطيني والإسرائيلي
التعليقات (0)