الإثنين 24 أغسطس 2026 10:28 صباحًا - بتوقيت القدس
شهدت الصناعة المصرفية الإسلامية خلال العقود الماضية تطوراً لافتاً، حيث انتقلت من تجارب محدودة تسعى إلى تقديم بديل مصرفي متوافق مع أحكام الشريعة، إلى صناعة مالية واسعة الحضور تضم المصارف وشركات التمويل والاستثمار والصكوك والصناديق وغيرها من المؤسسات والأدوات المالية، ولم يكن هذا التطور ثمرة الخبرة المصرفية والمالية وحدها، بل شارك فيه علماء وباحثون ومتخصصون بذلوا جهوداً كبيرة في دراسة المستجدات المالية وإيجاد الحلول التي تجمع بين متطلبات الاقتصاد المعاصر والالتزام بأحكام الشريعة ومقاصدها. وفي قلب هذه المسيرة تقف هيئات الرقابة الشرعية بوصفها إحدى أهم ركائز الثقة والمصداقية في الصناعة المالية الإسلامية، والحارس الشرعي والمهني لهوية المصرف الإسلامي، ومن هنا يأتي السؤال: هل الرقابة الشرعية ضمانة حقيقية أم مجرد إجراء شكلي؟ مع الإشارة إلى أن طرح هذا السؤال لا يعني التشكيك في أهمية هذه الهيئات، بل يؤكد أن مكانتها أكبر من أن تُختزل في توقيع على عقد أو إصدار فتوى أو منح موافقة على منتج مالي، فالرقابة الشرعية الحقيقية هي ضمانة للمصرف وللمودع والمستثمر والمتعامل، ولسمعة الصناعة المالية الإسلامية بأكملها.من الخطأ اختزال وظيفة هيئة الرقابة الشرعية في إصدار الفتاوى والموافقة المسبقة على العقود والمنتجات، فالفتوى جزء أساسي من عمل الهيئة، لكنها ليست كل الرقابة الشرعية، فقد يكون العقد صحيحاً من حيث الأصل، لكن التطبيق العملي قد يبتعد عن الصورة التي أجازتها الهيئة، لذلك لا يكفي أن نسأل: هل العقد جائز؟ بل يجب أن نسأل أيضاً: هل نُفذ بالطريقة التي أُجيز بها؟ وهل تحققت الملكية والقبض عند اشتراطهما؟ وهل تم ترتيب مراحل المعاملة بصورة صحيحة؟ وهنا تظهر أهمية الانتقال من مجرد الفتوى الشرعية إلى مفهوم أوسع هو الحوكمة الشرعية، التي تشمل الفتوى والرقابة والمتابعة والتدقيق والتأكد من سلامة التطبيق.الاستقلالية وحماية هوية المصرفتعمل المصارف الإسلامية في بيئة تنافسية وتسعى، كغيرها من المؤسسات، إلى تحقيق الأرباح والنمو وتطوير المنتجات، لكن خصوصيتها تكمن في أن تحقيق هذه الأهداف يجب ألا يكون على حساب الضوابط الشرعية التي قامت عليها، وهنا تصبح هيئة الرقابة الشرعية صمام أمان للمصرف؛ فهي تساعد على تحقيق التوازن بين متطلبات السوق والالتزام الشرعي، وبين الابتكار المالي والمحافظة على هوية العمل المصرفي الإسلامي. ومن أهم شروط نجاح الهيئة استقلاليتها، فقد يكون منتج معين مربحاً وجذاباً تجارياً، لكن إذا وجدت الهيئة فيه إشكالاً شرعياً جوهرياً، فيجب أن تمتلك القدرة على طلب تعديله أو عدم الموافقة عليه، وهذا لا يضع الهيئة في مواجهة الإدارة، بل يجعلها شريكاً في حماية المصرف وسمعته واستدامة أعماله؛ فالمكسب التجاري المؤقت لا يعوض خسارة ثقة العملاء.الهيئة الشرعية بين الفقه والخبرة المالية والرقميةمن القضايا التي تستحق اهتماماً أكبر أن هيئة الرقابة الشرعية في المؤسسة المالية المعاصرة تحتاج إلى معرفة تتجاوز التخصص الفقهي التقليدي وحده، مع التأكيد أن التأصيل الفقهي والتمكن من فقه المعاملات يظلان الأساس الذي لا غنى عنه، فالقاعدة المعروفة أن الحكم على الشيء فرع عن تصوره، ولا يمكن الوصول إلى حكم شرعي دقيق على منتج مالي معاصر دون فهم حقيقته الاقتصادية وتدفقاته النقدية ومخاطره وآليات تسعيره وآثاره القانونية والمحاسبية وطريقة تنفيذه الفعلية، فالهيئة الشرعية اليوم لا تتعامل فقط مع المرابحة والإجارة والمشاركة بصورتها النظرية، بل مع منتجات مالية مركبة وإدارة السيولة والمخاطر والصكوك والاستثمارات وأنظمة الدفع والمنصات الرقمية والخوارزميات والذكاء الاصطناعي والعقود الذكية والأصول الرقمية، ومن هنا تبرز الحاجة إلى أن تجمع هيئات الرقابة الشرعية، سواء من خلال أعضائها أو الخبراء المساندين لها، بين التمكن الشرعي والخبرة الاقتصادية والمالية والمصرفية والقانونية والتقنية، فالخبير الشرعي يحتاج إلى المصرفي والاقتصادي والتقني لتكوين التصور الكامل للمعاملة، كما يحتاج هؤلاء إلى الفقيه لتحديد الضوابط الشرعية، وهذه ليست منافسة بين التخصصات، وإنما شراكة معرفية أصبحت ضرورة لسلامة القرار الشرعي نفسه، بل إن التطور الرقمي يجعل هذا التكامل أكثر إلحاحاً، فقد يكون العقد المكتوب سليماً شرعاً، لكن النظام الإلكتروني الذي ينفذه قد يرتب خطوات العملية بطريقة مختلفة عما أجازته الهيئة، وهنا لم تعد مراجعة نص العقد وحدها كافية، بل أصبح من الضروري فهم كيف تتحول الأحكام الشرعية إلى إجراءات رقمية داخل الأنظمة المصرفية.وانطلاقاً من كل ذلك، فإن المرحلة المقبلة تحتاج إلى عالم شرعي يفهم لغة المال والمصارف والتكنولوجيا، أو يعمل ضمن هيئة متعددة التخصصات توفر له هذا الفهم بصورة مؤسسية وعميقة، وهذا لا ينتقص من مكانة الفقه، بل يعززها ويحمي القرار الشرعي من أن يبنى على تصور ناقص للواقع، كما أن مستقبل الرقابة الشرعية ليس في الاختيار بين الفقه أو المالية أو التكنولوجيا، وإنما في الجمع بينها: أصالة في التأصيل ودقة في التصور وفهم للواقع واستيعاب لأدوات المستقبل.من صحة العقد إلى مقاصد الشريعةتواجه المصرفية الإسلامية تحدياً آخر يتمثل في ضرورة تجاوز النظر إلى صحة العقد من الناحية الشكلية فقط، والنظر كذلك في آثاره ومآلاته الاقتصادية، فالاقتصاد الإسلامي لا يقوم على استبدال أسماء العقود أو تغيير المصطلحات، وإنما يحمل رؤية أوسع تقوم على العدالة وحفظ الأموال ومنع الاستغلال وربط النشاط المالي بالاقتصاد الحقيقي، ومن هنا ينبغي أن يتطور عمل الرقابة الشرعية ليجمع بين فقه العقود وفقه المقاصد وفهم الواقع الاقتصادي، بحيث يكون القرار مبنياً على تصور كامل لحقيقة المعاملة، وليس على شكلها القانوني وحده.الرقابة الشرعية أصل من أصول الثقةالثقة من أهم الأصول التي تقوم عليها المصارف، لكنها في المصرفية الإسلامية تحمل بعداً إضافياً، فالعميل لا يثق فقط بقدرة المؤسسة على حفظ أمواله وإدارة معاملاته، بل يثق بأن منتجاتها خضعت لمراجعة شرعية متخصصة، لذلك فإن وجود هيئة قوية ومستقلة، إلى جانب أجهزة فعالة للرقابة والتدقيق الشرعي، يمنح العملاء والمستثمرين الاطمئنان بأن الالتزام الشرعي منظومة مؤسسية وليس مجرد شعار تسويقي، ومن هذه الزاوية لا ينبغي اعتبار الرقابة الشرعية تكلفة إضافية؛ فالرقابة القوية تصنع الثقة، والثقة تبني السمعة، والسمعة أصل اقتصادي بالغ القيمة.نحو رقابة شرعية رقميةسيزداد دور هيئات الرقابة الشرعية أهمية مع التحول الرقمي وانتشار التكنولوجيا المالية والذكاء الاصطناعي والعقود الذكية، وقد نكون أمام مرحلة جديدة يمكن تسميتها «الرقابة الشرعية الرقمية»، بحيث تصبح الضوابط الشرعية جزءاً من تصميم الأنظمة المصرفية نفسها، وليس مجرد مراجعة لاحقة للمعاملة، وهذا يفرض الاستثمار في تأهيل جيل من المتخصصين يستطيع الجمع بين المعرفة الشرعية والفهم الاقتصادي والمالي والتقني.الخاتمةإن الإنصاف يقتضي الاعتراف بأن الصناعة المصرفية الإسلامية مدينة في جانب مهم من تطورها وانتشارها ومصداقيتها للجهود الكبيرة التي بذلها علماء الشريعة وأعضاء هيئات الرقابة الشرعية على مدى عقود. لقد تعامل هؤلاء العلماء مع عالم مالي متغير ومعقد، واجتهدوا في إيجاد الحلول التي تحافظ على الأحكام الشرعية وتستجيب في الوقت ذاته لحاجات الاقتصاد المعاصر، ولذلك فإن هيئات الرقابة الشرعية ليست أجهزة هامشية داخل المصارف الإسلامية، بل هي شريك أصيل في بناء هذه الصناعة وحارس لهويتها وصمام أمان لمصداقيتها وأحد أهم مصادر الثقة بينها وبين جمهورها، وأفضل تقدير لهذه الهيئات لا يكون بالثناء عليها فقط، وإنما بمنحها الاستقلالية والصلاحيات وأدوات التدقيق، والاستثمار في تطوير معارف أعضائها المالية والاقتصادية والرقمية، ورفدها بالخبرات التي تساعدها على فهم عالم مالي يتغير بسرعة غير مسبوقة، فكلمة "إسلامي" التي يحملها المصرف ليست مجرد وصف تجاري؛ إنها التزام ووعد ومسؤولية، وهيئات الرقابة الشرعية من أهم الجهات المؤتمنة على هذا الوعد.لذلك فإن الإجابة عن سؤال العنوان واضحة: الرقابة الشرعية، حين تجمع بين أصالة المعرفة الشرعية وعمق الفهم المالي واستيعاب التطور الرقمي، وحين تتمتع بالاستقلال والكفاءة والصلاحيات الحقيقية، ليست إجراءً شكلياً بل ضمانة حقيقية للمصرفية الإسلامية، وسيظل علماء وهيئات الرقابة الشرعية حراساً للهوية وشركاء في التطوير وأمناء على الثقة وجسراً يصل أصالة الشريعة بمتطلبات الاقتصاد والمال المعاصر.* دكتوراه في الاقتصاد والتمويل الإسلامي.
الرقابة الشرعية في المصارف الإسلامية: ضمانة حقيقية أم إجراء شكلي؟
د. سماح جبر - استشارية الطب النفسي
حازم عبد العزيز النتشة: مدير عام كهرباء الخليل
اللواء أحمد عيسى باحث متخصص في دراسات الأمن ىالقومي الفلسطيني والإسرائيلي
التعليقات (0)