f 𝕏 W
في فلسطين... مطبخٌ يقاوم

جريدة القدس

سياسة منذ 58 دق 0 7 د قراءة
زيارة المصدر ←

في فلسطين... مطبخٌ يقاوم

ملخص ذكي بالذكاء الاصطناعي
مُلخَّص تلقائياً من الخبر الأصلي
يسلط الخبر الضوء على كيف تتحول المائدة والمطبخ في فلسطين إلى ساحة مقاومة وصمود في مواجهة الأزمات الاقتصادية والسياسية والحرب. فبدلاً من مجرد مكان لتناول الطعام، يصبح المطبخ مرآة تعكس تأثير الأوضاع الخارجية على الحياة اليومية للأسر، حيث تتطلب تدبير الموارد المحدودة وإيجاد حلول مبتكرة لتأمين الوجبات، مما يجعل المائدة أكثر من مجرد طعام، بل رمزاً للحياة والذاكرة والهوية.
أبرز النقاط

الإثنين 24 أغسطس 2026 10:21 صباحًا - بتوقيت القدس

حين نتحدث عن الحرب، نبحث غالبًا عن صورها في الأماكن التي تلتقطها الكاميرات: في الشوارع، وبين الركام، عند الحواجز، وفي ساحات المواجهة. لكن للحرب وجهًا آخر أكثر هدوءًا، لا يظهر دائمًا في نشرات الأخبار؛ وجهٌ يدخل البيوت دون استئذان، ويصل إلى المكان الذي يفترض أن يكون أبعد ما يكون عن السياسة والصراع: المائدة.هناك، في المطبخ، تتحول الحرب من خبر بعيد إلى سؤال يومي بسيط ومؤلم: ماذا سنضع على المائدة اليوم؟في الحياة الطبيعية قد يكون هذا السؤال عابرًا، أما في فلسطين فإنه يحمل وراءه أسئلة أثقل: ماذا نستطيع أن نشتري؟ ماذا يمكن أن نؤجل؟ وكيف يمكن أن يكفي ما لدينا حتى نهاية الشهر؟ وهكذا تصبح المائدة مرآة صامتة لما يجري خارج البيت؛ فالراتب المتأخر، وارتفاع الأسعار، وتراكم الالتزامات، كلها أزمات تبدأ في الاقتصاد والسياسة، لكنها تنتهي في النهاية داخل المطبخ.في الضفة الغربية، تعرف الأسرة الفلسطينية هذه المعادلة جيدًا. حين يأتي الراتب منقوصًا أو يتأخر، وحين ترتفع الأسعار بينما تبقى القدرة الشرائية محدودة، لا يبقى الأمر مجرد أرقام في التقارير الاقتصادية، بل يتحول إلى قرارات يومية داخل البيت.تدخل الأم السوق وهي لا تبحث فقط عما ترغب فيه، بل عما تستطيع شراءه. تحسب ثمن كل مادة، تقارن بين البدائل، تقلل الكمية، وتؤجل ما يمكن تأجيله، ثم تعود إلى بيتها لتحاول أن تصنع من المتاح وجبة تكفي الجميع.وهنا تظهر مفارقة مؤلمة. نحن نصف هذه القدرة على التدبير بأنها صمود، وهذا صحيح، لكننا ننسى أحيانًا السؤال الأهم: لماذا أصبح التدبير ضرورة أصلًا؟حين تضطر الأسرة إلى إعادة حساب وجباتها بسبب محدودية الدخل، لا تعود المسألة مجرد مهارة منزلية، بل تصبح علامة على أزمة اقتصادية واجتماعية وصلت إلى أكثر الأماكن خصوصية: إلى المائدة نفسها. وحين تفكر الأم في سعر كل مادة قبل أن تضعها في عربة التسوق، فإن الاقتصاد لم يعد موضوعًا في نشرات الأخبار، بل أصبح حاضرًا في تفاصيل الحياة اليومية.ومن هنا تصبح المائدة أكثر من مكان لتناول الطعام؛ تصبح مكانًا يمكن من خلاله قراءة حال المجتمع. فالأسرة التي تقلل مشترياتها، وتؤجل حاجاتها، وتستبدل ما اعتادت عليه بما هو أقل كلفة، لا تتعامل فقط مع غلاء الأسعار، بل مع واقع اقتصادي يفرض نفسه على تفاصيل حياتها.وفي غزة، تأخذ هذه المعادلة وجهًا أكثر قسوة. هناك، تتجاوز المسألة حدود الضيق الاقتصادي إلى سؤال يتعلق بإمكان الحصول على الطعام نفسه.قد لا يكون السؤال هناك: ماذا نريد أن نطبخ؟ بل: ماذا وجدنا أصلًا؟ هل هناك ماء؟ هل هناك طحين؟ هل هناك وقود؟ هل يمكن إعداد الطعام؟ وهل ستكون هناك وجبة أخرى غدًا؟الحرب التي نراها في صور المباني المدمرة والطرقات المهدمة لها وجه آخر لا يظهر دائمًا أمام الكاميرات: أم تحاول تأمين الطعام لأطفالها، وأسرة تبحث عن وسيلة للطهي، وماء يصبح الحصول عليه تحديًا، واحتياجات أساسية تتحول إلى رحلة شاقة.وهنا يصل أثر الحرب إلى أعمق نقطة في الحياة اليومية: إلى المطبخ.لهذا لا يمكن فصل المائدة عن السياسة. فالسياسة التي تؤثر في الرواتب تصل إلى البيت، والسياسة التي تؤثر في الأسعار تصل إلى السوق، ثم تنتقل إلى المائدة. والحرب التي تعيق وصول الغذاء والماء والوقود لا تبقى في ساحات القتال، بل تدخل المطبخ مباشرة.عندما يصبح الحصول على رغيف خبز أو جالون ماء مرتبطًا بالظروف السياسية والحرب والحصار، فإن السياسة لا تعود شأنًا بعيدًا عن المواطن، بل تصبح جزءًا من تفاصيل حياته اليومية. وما يبدو في الخارج قرارًا أو أزمة أو رقمًا، يتحول في الداخل إلى سؤال بسيط: هل نستطيع أن نطعم أبناءنا اليوم؟لكن أمام هذا الواقع، يبقى سؤال آخر أكثر إلحاحًا: هل ينبغي أن يتحول الصمود إلى وسيلة لتجميل المعاناة؟لقد اعتدنا أن نصف الفلسطيني بالصامد أمام كل أزمة. نرى أمًا تدبر طعام أسرتها فنقول إنها صامدة، ونرى عائلة تعيش بدخل محدود فنقول إنها صامدة، ونرى أهل غزة يبحثون عن أبسط مقومات الحياة فنقول إنهم صامدون.نعم، هم صامدون، لكن الصمود لا ينبغي أن يصبح ذريعة لقبول الألم وكأنه قدر دائم.الأم التي تؤجل حاجاتها كي توفر الطعام لأطفالها تستحق التقدير، لكنها تستحق قبل ذلك أن تعيش في ظروف أقل قسوة. والأسرة التي تتقن إدارة القليل تستحق الاحترام، لكنها تستحق أيضًا دخلًا يحميها من الحاجة.الفلسطيني لا يحتاج فقط إلى الإعجاب بقدرته على البقاء؛ إنه يحتاج إلى ظروف تسمح له بأن يعيش.ولأن المرأة غالبًا ما تحمل العبء الأكبر في إدارة تفاصيل البيت، فإن المطبخ يصبح المكان الذي تظهر فيه الأزمة بأكثر صورها صدقًا. هناك لا توجد مصطلحات اقتصادية معقدة، بل حسابات بسيطة ومؤلمة: ماذا نشتري؟ ماذا نترك؟ وما الذي يمكن تأجيله إلى الشهر المقبل؟لهذا قد تكون المائدة أحيانًا أكثر صدقًا من كثير من المؤشرات الرسمية، لأنها تقيس الأزمة من مكانها الحقيقي: داخل البيت.ومع ذلك، فإن المائدة الفلسطينية لا تحمل آثار الأزمة وحدها؛ فهي تحمل أيضًا ذاكرة المجتمع. رائحة الخبز، وصفات الجدات، الأطباق المرتبطة بالمواسم والمناسبات، والمائدة التي تجمع أفراد العائلة، كلها تفاصيل تتجاوز الطعام لتصبح جزءًا من الهوية والذاكرة.وحين تحافظ الأسرة على هذه التفاصيل رغم الحرب والفقر، فهي لا تحافظ على وصفة قديمة فحسب، بل تحاول أن تحمي شكلًا من أشكال الحياة من أن يختفي.حين تصنع الأم طبقًا تعلمته من أمها، أو تجتمع الأسرة حول مائدة متواضعة، فإنها تحافظ، ولو للحظات، على عالم تحاول الأزمات أن تنتزعه منها. ولهذا فإن المطبخ الفلسطيني ليس مجرد مكان للطهي؛ إنه مساحة صغيرة يحاول فيها الإنسان أن يحتفظ بشيء من السيطرة على حياته.لا تستطيع الأم إيقاف الحرب، لكنها تستطيع، حين تتوفر الإمكانات، أن تعد وجبة لأطفالها. ولا تستطيع تغيير الأسعار، لكنها تستطيع إعادة ترتيب مشترياتها. ولا تستطيع حل الأزمة السياسية، لكنها تستطيع أن تحافظ على مائدة تجمع الأسرة.قد تبدو هذه الأفعال صغيرة أمام حجم الكارثة، لكنها بالنسبة للإنسان الذي يعيشها ليست صغيرة؛ لأنها تعني أن هناك شيئًا من الحياة ما زال ممكنًا.ولهذا فإن الحديث عن مطبخ يقاوم لا يعني تحويل الطعام إلى شعار، وإنما الاعتراف بأن الإنسان، حين تضيق عليه الحياة، يبدأ بالدفاع عن أبسط ما تبقى منها: مائدة تجمع الأسرة، وصفة تحفظ الذاكرة، ورائحة خبز تقول إن الحياة ما زالت ممكنة.لكن السؤال الأهم ليس: إلى أي حد يستطيع الفلسطيني أن يتحمل؟بل: إلى متى سيُطلب منه أن يتحمل؟ إلى متى ستظل الأم مطالبة بأن تكون خبيرة في الاقتصاد والتدبير والطهي، وأن تحول القليل إلى كثير، وأن تخفي قلقها حتى لا يصل إلى أطفالها؟ أليس من حقها أن تعيش يومًا لا تحتاج فيه إلى كل هذه المهارات كي تؤمن وجبة عادية لعائلتها؟ وأليس من حق الطفل الفلسطيني أن يرى المائدة مكانًا للطعام والحكايات والضحك، لا مساحة أخرى تنعكس عليها أزمات الحرب والاقتصاد؟الصمود الحقيقي، في رأيي، لا يعني القدرة على احتمال الألم إلى ما لا نهاية، بل القدرة على حماية الحياة إلى أن تتغير الظروف التي جعلت الحياة صعبة.فالفلسطيني لا يريد أن يبقى بطلًا في مواجهة الحاجة كل يوم؛ إنه يريد ببساطة أن يعيش.وربما يكون الانتصار الحقيقي في أن يأتي يوم لا تحتاج فيه الأم إلى أن تصنع من القليل كثيرًا، ولا أن تحسب ثمن كل لقمة قبل أن تضعها على المائدة.يومها ستعود المائدة إلى ما ينبغي أن تكون عليه: مكانًا للطعام والحكايات والضحك، لا دفترًا للحسابات، ولا مرآة للحرب.فالفلسطيني لا يريد أن يقضي عمره في إثبات قدرته على الاحتمال؛ يريد أن يعيش حياة لا يحتاج فيها إلى الصمود في كل صباح.قد تصل الحرب إلى المائدة، وقد تترك على أطرافها خوفًا وقلقًا ونقصًا وذاكرة ثقيلة، لكن الإنسان يظل يحاول أن يحمي حولها شيئًا من الحياة: رغيفًا يُقسم بين أفراد الأسرة، طبقًا تعرفه الأمهات عن ظهر قلب، كوب شاي في آخر النهار، وحكاية تُروى رغم كل شيء.قد تبدو هذه أشياء صغيرة في نظر العالم، لكنها في بيت أنهكته الحرب تشبه إعلانًا هادئًا بأن الحياة لم تنتهِ بعد.وفي فلسطين، حين تجتمع العائلة حول مائدة متواضعة، لا يكون الطعام وحده حاضرًا؛ تكون الذاكرة، والبيت، والأم، والأبناء، وكل ما نحاول ألا تأخذه الحرب منا.لذلك، حين يصل أثر الحرب إلى المائدة، يصبح الحفاظ على الحياة فعلًا من أفعال المقاومة. لا لأننا نريد للحياة أن تبقى مجرد قدرة على الاحتمال، بل لأننا نريد أن يأتي اليوم الذي لا تحتاج فيه الحياة إلى المقاومة كي تستمر.يومها فقط، ستنتصر المائدة على الحرب. وسيعود الخبز خبزًا، لا امتحانًا للصبر.

رائد محمد الدبعي: المحاضر في قسم العلوم السياسية/ جامعة النجاح الوطنية

كن الأول في معرفة أهم الأخبار العاجلة فور حدوثها.

ابق على اطلاع على آخر الأخبار، واشترك في خدمة الأخبار العاجلة التي تصل إلى بريدك الإلكتروني يومياً.

المقال الكامل متوفر على موقع المصدر
اقرأ الخبر كاملاً من جريدة القدس

شارك هذه المقالة

التعليقات (0)