كلما تعثرت محاولات الحسم في السودان، انتقلت المعارك إلى جغرافيا جديدة، لتتحول الأطراف البعيدة عن مراكز الثقل العسكري إلى ساحات ضغط إضافية، ويبدو تصعيد النيل الأزرق أحد تعبيرات هذه المعادلة، حيث تتداخل السيطرة على الأرض مع إعادة توزيع الجهد العسكري وفتح النزاع على أدوار إقليمية أوسع.
ولا تنفصل أهمية النيل الأزرق عن موقعه الحدودي ومنشآته الحيوية، لكن دلالة التصعيد تتجاوز قيمة الأرض نفسها إلى الوظيفة التي يمكن أن تؤديها في حرب لم يعد فيها كسب المواقع منفصلا عن تحسين شروط التفاوض، ومن هنا يبرز سؤال ما إذا كانت الجبهات الهامشية أصبحت أوراقا لإدارة الصراع سياسيا.
ويرى الكاتب الصحفي والمحلل السياسي عثمان ميرغني، خلال مشاركته في برنامج "ما وراء الخبر" أن فتح جبهة الجنوب الشرقي يمكن أن يستهدف إشغال الجيش السوداني بعيدا عن مسارح العمليات الرئيسية في كردفان (وسط) ودارفور (غرب) حيث يتركز هدفه الإستراتيجي باستعادة كامل الأراضي السودانية.
ووفق هذه القراءة، لا تكمن أهمية مدينتي الكرمك وقيسان في كونهما هدفا نهائيا بقدر ما ترتبطان بقدرتهما على استنزاف جزء من الموارد العسكرية وإجبار الجيش على توزيع اهتمامه. فالجبهة الجديدة قد تكون محدودة ميدانيا، لكنها تؤدي وظيفة أكبر في حسابات الحرب.
لكن الدكتور فتحي أبو عمار، الأكاديمي السوداني ورئيس تحرير صحيفة الوسط، يرفض اختزال هذه الجبهة في وظيفة الإشغال، معتبرا أن النيل الأزرق منطقة ذات أهمية إستراتيجية واجتماعية، وأن وجود حواضن وقوى مسلحة فيها يجعلها جزءا أصيلا من طبيعة الصراع لا مجرد مناورة جانبية.
وهنا تتضح المفارقة؛ فالجغرافيا نفسها يمكن أن تكون هدفا عسكريا مستقلا وورقة ضغط في آن واحد، حيث لا تعني السيطرة على مدينة حدودية أو طريق إمداد بالضرورة التقدم نحو حسم الحرب، لكنها تمنح الطرف المسيطر قدرة أكبر على إعادة ترتيب أولوياته والتأثير في حسابات خصمه.
التعليقات (0)