يمكن القول إن مقدمة ابن خلدون ليست مقدمة في علم الاجتماع وحده، بل في علوم شتى وفنون متعددة، فلم يكن ابن خلدون فيلسوفا أو مؤرخا أو فقيها عابرا في تاريخ المسلمين، بل بات له تأثير واسع عليهم في الشرق والغرب. وقد أضحى ابن خلدون مركزيا في مدارس العلوم السياسية والاجتماعية العربية، بيد أنه لم يصبح مركزيا في الفقه والحديث والقضاء رغم ما له من مشاركة فيها، لا يمكن تجاوزها.
ويشتهر ابن خلدون بنظريات مركزية مثل قوله بالعصبية وتفسيره لظهور الدول وأفولها. لكن تبقى هناك مقولات أقل شهرة مثل نظريته حول "التملق السياسي"، وتعني التقرب من ذوي الجاه والمناصب، والتي أُغفلت رغم مركزيتها في نظرية الدولة والمجتمع عنده. لقد كان ابن خلدون يحب المناصب والقرب من ذوي السلطة والجاه، وهو ما التفت إليه الأقدمون ممن ترجموا له كالحافظ ابن حجر، وبعض المعاصرين مثل طه حسين وعلي عبد الواحد وافي الذي يقول: "فقد تغير مجرى حياته وأخذ يتطلع إلى تولي الوظائف العامة، والاشتراك في شؤون السياسة، والسير في الطريق نفسه الذي سار فيه جداه الأول والثاني وكثير من قدامى أسرته. فاستأثرت الوظائف الحكومية والمغامرات السياسية بأكبر قسط من وقته".
ويخبرنا ابن خلدون بنفسه عن سعيه وراء المناصب، فيذكر لنا في كتابه "التعريف" أنه تولى وظيفة "كتابة العلامة" عام 751 هـ، كأول وظيفة له في الدولة والشأن العام، في عهد الوزير ابن تافراكين في تونس. ولما ذهب ملك ابن تافراكين، سعى ابن خلدون للقاء السلطان أبي عنان المريني، سلطان المغرب الأقصى، فالتقاه وأكرم وفادته، فتقرب منه ابن خلدون حتى يصير من حاشيته وبطانته ودخل ابن خلدون مدينة فاس معه، وجعله السلطان من كتابه وموقعيه.
لكن الاندراج في أعمال الدولة وبلاط السلاطين، ولّد نزعة عند ابن خلدون، رصدها المؤرخون، بل رصدها هو نفسه، وهي نزعة انتهاز الفرص بأي وسيلة وتدبير الوصول إلى المقاصد من أي طريق، مع التماس المعاذير والمبررات، حتى ولو بالإساءة "إلى من أحسنوا إليه، والتآمر ضد من غمروه بفضلهم، والتنكر لمن قدموا له المعروف"، كما يقول عبد الواحد وافي. فتآمر ابن خلدون على السلطان أبي عنان رغم أنه قرّبه وأدناه واستعمله في كتابته، كما أخبرنا ابن خلدون بنفسه في "التعريف".
وقتها، اتصل ابن خلدون كذلك بالأمير أبي عبد الله محمد الحفصي، الأمير المخلوع صاحب بجاية، وكان أسيراً في فاس، واتفق معه لمساعدته في استرداد ملكه على أن يوليه منصب "الحجابة"، وهو المنصب الأهم بعد السلطان. وعرف أبو عنان بخبر المؤامرة فاعتقل ابن خلدون وسجنه. وظل ابن خلدون يستعطفه بالشعر نادما، لكن السلطان لم يفك قيده، ومن شعر ابن خلدون قصيدة طويلة يترجاه فيها بفكّ أسره قائلا:
"على أي حالٍ لليال أعاتبُ .. وأيّ صروفٍ للزمان أغالبُ"
التعليقات (0)