في مجلس خشبي يطل على أحد أودية مديرية "ماندول" بولاية نورستان شرقي أفغانستان، يجلس كبار السن يستعيدون حكايات الأجداد بلغتهم المحلية، بينما يتابع شبان القرية هواتفهم الذكية، متصفحين العالم من شاشات صغيرة.
بين المشهدين، تتجلى ملامح التحول العميق الذي تعيشه ماندول؛ هذه المنطقة الجبلية التي ظلت، قرونا، بعيدة عن مسارات المدن والطرق المعبدة، مما مكنها من حراسة لغاتها وعاداتها وعمارتها التقليدية. لكنها اليوم تواجه تحديا وجوديا: كيف تحافظ على ذاكرتها الثقافية في ظل زحف الحداثة وانفتاحها المتزايد على العالم؟
يبلغ عدد سكان مديرية ماندول نحو 24 ألف نسمة، يتوزعون على 11 قرية متناثرة في قلب جبال "هندوكوش" الوعرة. تستغرق الرحلة من "بارون" (مركز الولاية) عدة ساعات عبر طرق جبلية متعرجة تخترق الغابات السحيقة. هذه العزلة الجغرافية كانت تاريخيا بمثابة "الدرع" التي صدّت التأثيرات الخارجية، وساعدت في حفظ الخصوصية الثقافية للمكان.
وما إن يطأ الزائر أرض ماندول، حتى تأسره هندسة المنازل الخشبية المتدرجة بعبقرية على السفوح، لتبدو وكأنها تنبت من الصخر، وسط أصوات المياه المنحدرة والمجالس التي لا تزال تنبض بحكايات الأسلاف.
تُعد ولاية نورستان من أكثر المناطق تنوعا ثقافيا ولغويا في أفغانستان. وفي ماندول تحديدا، يظهر هذا الإرث في تفاصيل الحياة اليومية؛ بدءا من لغة التخاطب داخل المنازل، وصولا إلى نمط العمارة والأغاني المتوارثة شفهيا.
يؤكد الباحث في اللغات النورستانية، محمد عارف، للجزيرة نت، أن العزلة لم تكن عائقا للتطور، بل حصنا حاميا للثقافة. "الأسرة والمجلس المحلي كانا بمثابة المدرسة؛ فما لم يكن مدونا في الكتب، كان محفوظا في صدور كبار السن.. من طرق الزراعة إلى الأغاني". محذرا من أن اختفاء هذه العناصر دون توثيق يعني ضياع شفرة حضارية بأكملها.
التعليقات (0)