كنت أتمنى أن أكون حاضرًا في الندوة الحوارية الاستراتيجية التي عقدها معهد فلسطين لأبحاث الأمن القومي تحت عنوان " التعليم ركيزة الأمن القومي " ، خاصة أن عنوانها يلامس قضية أؤمن بأهميتها وأكتب فيها منذ فترة: موقع التعليم في المشروع الوطني الفلسطيني، وعلاقته بالصمود والهوية وبناء الإنسان. وقد حالت ظروف طارئة دون مشاركتي، رغم أنني كنت قد أعددت نفسي للحضور والمداخلة. لذلك وجدت أن أفضل مساهمة ممكنة هي أن أضع بعض الأفكار التي كنت أود طرحها في الندوة في هذا المقال، خصوصًا أن القضية أكبر من فعالية عابرة ، إنها سؤال يتعلق بمستقبلنا الوطني نفسه.
حين نتحدث عن الأمن القومي، يتجه التفكير عادة إلى حماية الأرض والحدود والمؤسسات والاستقرار السياسي والأمني. وهذا صحيح، لكنه لم يعد كافيًا. فالأمن القومي، في مفهومه الحديث، هو قدرة الدولة والمجتمع على حماية وجودهما وهويتهما ومصالحهما ومواردهما، وضمان تماسكهما واستمرارهما وقدرتهما على مواجهة التهديدات الداخلية والخارجية.
وبهذا المعنى، فإن الأمن القومي ليس أمنًا عسكريًا وسياسيًا فقط ، بل يشمل الأمن الاقتصادي والاجتماعي والغذائي والصحي والثقافي والرقمي، وفي قلب هذه المنظومة يأتي الأمن التربوي.
وأقصد بالأمن التربوي قدرة المجتمع على امتلاك منظومة تعليمية وطنية مستقرة وعادلة وذات جودة، تضمن حق الأجيال في المعرفة، وتصون الهوية والذاكرة والرواية الوطنية، وتبني التفكير النقدي والقدرة على التحليل، وتؤهل الإنسان للتعامل مع التحولات العلمية والتكنولوجية من موقع الفاعل لا المستهلك.
وبعبارة أكثر اختصارًا: إذا كان الأمن القومي يحمي وجود المجتمع، فإن الأمن التربوي يحمي عقل هذا المجتمع وقدرته على الاستمرار.
في الحالة الفلسطينية تحديدًا، يصبح هذا الترابط أكثر وضوحًا. فنحن لا نعيش في ظروف دولة طبيعية، بل في مواجهة احتلال يستهدف الأرض والإنسان، ويخوض معنا أيضًا صراعًا على التاريخ والجغرافيا والذاكرة والرواية.
التعليقات (0)